ابراهيم بن محمد ابن عرب شاه الاسفرائيني

396

الأطول شرح تلخيص مفتاح العلوم

والشارح المحقق ظن أن ما ذكره المصنف بيان نكتة النقض ، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك . [ التورية ] ( ومنه التورية ) وهو في اللغة الإخفاء ( الإيهام ) مصدر أوهم أي إدخال شيء في الوهم ( وهو أن يطلق لفظ له معنيان قريب وبعيد ، ويراد به البعيد ) لقرينة خفية ، وإنما ترك المصنف ذكر القرينة لوضوح أن الكلام البليغ لا يستعمل في المعنى البعيد إلا لقرينة ، وأنه لا يتحقق بعد المعنى المراد مع وضوح القرينة ولا خفاء أيضا في أنه لا يلزم أن يكون للفظ معنيان ، بل يجب أن يكون له معان متعددة ، وكلما يكون الظاهر أكثر تكون التورية أوفر ، والكلام أبدع ، فالمختصر الواضح أن يقال : هو أن يطلق اللفظ على غير ما وضع له لقرينة خفية ، مما يتعلق بإيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة في وضوح الدلالة ، فهو داخل في أصل البلاغة ، فكيف عد من البديع ؟ ! ويمكن أن يقال رعاية ما ينبغي من وضوح الدلالة من البيان ، حتى لو بلغ في الخفاء بحيث لا يفهمه المخاطب لم يكن بليغا ، ولا يفيد توريته حسنا لفوات أصل البلاغة ، وكون رعاية الوضوح على وجه يكون ظهور المعنى المراد محتاجا إلى تأمل ، وتجاوز عن بادي الرأي من المحسنات البديعية . واعلم أن التورية لا يجب أن يكون بالنسبة إلى المخاطب حتى لو نصب قرينة واضحة عند المخاطب خفية على السامعين ، حتى لا يتنبهوا له إلا بعد مزيد تأمل ، كان في الكلام تورية . ( وهي ضربان : مجردة ، وهي التي لا تجامع شيئا مما يلائم المعنى القريب ) القسمة العقلية تقتضي ضروبا ثلاثة ، ثالثها ما يجامع سببا مما يلائم المعنى البعيد ، لكنه لم يلتفت إليه ؛ لأنه لا ينافي التورية بل لا تورية إلا فيها شيء مما يلائم المعنى البعيد أو أقله القريبة . ( نحو ) قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى " 1 " فإن معناه الظاهر الاستقرار ، وليس هناك ما يلائمه . وفيه بحث ؛ لأن العرش يلائم الاستقرار ، ومعد للاستقرار لا للاستيلاء ،

--> ( 1 ) طه : 5 .